القاضي عبد الجبار الهمذاني

81

تثبيت دلائل النبوة

فأمسك عنهم القطر حتى جفّ النبات والشجر وماتت الماشية ، وحتى اشتووا القد « 1 » وأكلوا العلهر « 2 » ، وتفرقوا في البلاد لشدة الحال . فوفد حاجب ابن زرارة إلى كسرى فشكا إليه ما نالهم ، وسأله ان يأذن له في الرعي بالسواد ورهنه قوسه ، وهي قصة معروفة نزل بها القرآن وجرى فيها الخوض ، وهو قوله عز وجل : « فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ « 3 » » . والدخان الجدب « 4 » ، ثم سمي دخانا لأن الغبار يرتفع في عام الجدب فيكون كأنه دخان ، ولذلك سميت سنة الجدب غبراء لارتفاع الغبار فيها ، وهذا شيء قد كان ومضى ، ولا يجوز ان يكون هذا مما لم يأت ، لأنه عز وجل يقول : « يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ « 5 » » . ثم ورد على نسق / « إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ » يعني يوم بدر ، وهذا كله يدل على أن الدخان قد انقضى ومضى ، وانه بدعائه ، لأن العذاب في الآخرة لا يجوز ان ينكشف ولا يخف . وقد قال في هذا : « إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ » والعود إلى المعاصي في الآخرة لا يقع أيضا . وكان انكشاف العذاب عنهم بدعائه أيضا ، فأتاهم الغيث وكثر ، ثم عادوا إلى طغيانهم .

--> ( 1 ) القدّ في الأصل هو القطع المستأصل أو المستطيل أو الشق طولا ، ويطلق على جلد النحلة . انظر القاموس المحيط . ( 2 ) في حاشية الكتاب ان العلهر هو الدم يخلط بالوبر . ( 3 ) الدخان 15 وما بعدها ( 4 ) في الحاشية : الدخان ، الجدب ( 5 ) الدخان 15 وما بعدها